أخبار وطنية بعـد 14 قرنـــا: هـل يكـون إعـدام الشيخ نـمـر النمر وقودا لإشعــال فتـنـة طائفية جديدة بين السنة والشيعة؟
إثر إعلان السلطات السعودية إعدام رجل الدين الشيعي والمعارض البارز نمر باقر النمر إلى جانب 46 شخصا آخرين بتهمة الإرهاب والتآمر على أمن المملكة، انتشرت موجة حادّة من الإستنكار وحالة من الإحتقان..
فيما تواترت ردود الأفعال على صعيد سياسي عربي ودولي لتراوح بين الاستهجان والتأييد خاصّة بعدما أعلنت الرياض، على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، بل وإمهال الدبلوماسيين الايرانيين 48 ساعة لمغادرة أراضي المملكة. وقد جاء ذلك عقب اقتحام جموع غاضبة من الإيرانيين مبنيي السفارة والقنصلية السعوديتين في كل من طهران ومشهد في إيران والاعتداء عليهما بزجاجات حارقة.
هذا اضافة الى خروج المئات من المنتمين إلى الشيعة في كل من السعودية واليمن ولبنان والعراق في مظاهرات احتجاجا على إعدام الشيخ النمر، داعين إلى إسقاط حكومة آل سعود، فيما علّق المرشد الأعلى الإيراني آية الله خامنئي على حكم الإعدام قائلا إن «الانتقام الإلهي سيحل بساسة السعودية لأنهم أراقوا دماء شهيد دون وجه حق».
من جانبه أدان حزب الله في بيان أصدره إعدام النمر واصفا إيّاه بالإغتيال، مشيرا إلى أنّ السبب الحقيقي وراء إعدامه هو جهره بالصواب ومطالبته بالحقوق المهدورة لأبناء شعب مظلوم معتبرا أنّ ما قامت به السعودية هو من أجل زرع الفتنة بين السنة والشيعة الذين أوقدوها من قبل»
هذا كما أبدت السياسة الخارجية للعديد من البلدان من بينها تونس تعاطفها مع السعودية وتنديدها بالاعتداء على سفارتها بالعاصمة الإيرانية طهران، حيث اعتبرت تونس أن هذا العمل يعدّ انتهاكاً للمعاهدات والأعراف الدولية ذات العلاقة، مشددة على ضرورة توفير الحماية للبعثات الدبلوماسية والقنصلية والحفاظ عليها من مثل هذه الأعمال.
وفيما يتواصل تبادل الاتهامات بين العديد من الأطراف وتختلف المواقف بين مدين ومتعاطف مع السعودية، اتصلت أخبار الجمهورية الاتصال بمجموعة من المؤرخين والباحثين قصد استبيان وجهة نظرهم في حادثة إعدام الشيخ النمر وانعكاساتها فكان التالي...
عبد اللطيف الحناشي: عقوبة قاسية ستكون تداعياتها وخيمة..
اعتبر المؤرّخ المختص في التاريخ المعاصر والراهن عبد اللطيف الحناشي، أن الإعدام كان عقوبة قاسية جدا وكان بالإمكان اصدار حكم غير هذا لاعتبارات عديدة منها أن الشيخ لم يمارس العنف ولم يدع إليه.
ناهيك عن أهمية شخصيته الاعتبارية وموقعها في الطائفة الشيعية في المملكة العربية السعودية، كشخصية دينية أو اجتماعية أو سياسية، مضيفا أن الظروف التي تعيشها المنطقة (الحرب في اليمن... المعركة ضد الإرهاب... الحرب في سوريا على خلفية طائفية ) ودور المملكة في تلك الأحداث بشكل مباشر أو غير مباشر يتطلب منها أن تتوخى المرونة في سلوكها السياسي تجاه القضايا الخارجية أو الداخلية على حدّ تعبيره..
أمّا في ما يخصّ انعكاسات حادثة الإعدام في حقّ الشيخ النمر على العلاقات السنية الشيعية، فأكّد المؤرّخ أن الإعدام سيضاعف من الاحتقان السياسي في المنطقة عامة. بل وقد يضاعف من تغذية الصراعات بين الطائفتين وبين إيران ودول الخليج العربي التي توجد فيها طائفة شيعية عربية ضخمة نسبيا(الكويت السعودية البحرين)أو غير عربية(الإمارات)..
وهو ما تجسد مباشرة في سحب السفراء أو تقليص التمثيل الدبلوماسي بين إيران وتلك الدول... وتابع قائلا: «كل الخشية أن تأخذ الأزمة أبعادا وأشكالا أخرى ستأتي على الأخضر واليابس على كامل المنطقة، ونستحضر هنا الحرب المدمرة العبثية التي جرت بين العراق وإيران (بتحالف مع دول الخليج العربي). واستمرت نحو ثماني سنوات وكان العرب وتحديدا العراق اكبر الخاسرين فيها في حين تمكنت إيران تجاوز ذلك والتحول إلى قوة اقتصادية وعسكرية وقوة إقليمية معتبرة»..
عليّة الصغير: ما فعلته السعودية جريمة سياسية غير مقبولة..
بدوره اعتبر الباحث والمؤرّخ عميرة علية الصغيّر أنّ إعدام القيادي الشيعي السعودي نمر النمر هو جريمة سياسية بامتياز، مشيرا إلى أن تجلياتها تتمظهر في نقطتين: الأولى أنّه ليس من الثابت أن التهم التي وجهت للنمر بالإرهاب والتآمر على امن السعودية هي صحيحة وليست باطلة..
أما النقطة الثانية وفق الباحث، فتتجلّى في المعاملة التي تحظى بها الأقلية الشيعية في السعودية حيث تعتبرها أهل الذمة، ومواطنين من الدرجة الثانية بل وخارجين على الإسلام خاصّة وانّ السعودية تعتنق المذهب الوهابي الذي يكفّر كل خارج عن مذهبه من السنّة فما بالك إذا كان من الشيعة وفق تعبيره.
وفي سياق متصّل، أكّد محدثنا أنّ إعدام نمر النمر يدخل في إطار رفض السعودية القاطع لحرية التعبير ومعاقبة كل منتقد لحكومة آل سعود، مشيرا إلى أن حادثة الإعدام لن تزيد من حدّة التوتر بين سنة وشيعة السعودية فحسب بل في كامل المنطقة وما يقع في اليمن من صراع ديني سني شيعي هو مظهر من مظاهرها. ناهيك عمّا يقع في سوريا والعراق..
وقال المؤرّخ إنّ ما حدث في السعودية غير مقبول، حيث كان يفترض بها معالجة هذه الصراعات وفق القوانين التي تنص عليها الدساتير المتقدمة وليس الاستمرار في انتهاك الإنسانية ومواصلة عقوبة الإعدام التي تطبقها في جرائم مختلفة وبالجملة وهو ما يدخل في إطار عقيدة القرون الوسطى المتخلّفة..
رياض الصيداوي: الصراع الطائفي متاهة عبثية تاريخية وكل من يدخلها خاسر..
أمّا المفكّر والباحث في العلوم السياسية رياض الصيداوي، فقد استنكر إعدام السلطات السعودية للشيخ الشيعي نمر النمر، قائلا إنّ إدانة هذه الحادثة جاءت حتّى من قبل الحكومات الغربية نظرا للسلميّة التي اتسّم بها خطابه. وأشار الصيداوي إلى أنّ أقصى العقوبات التي تنصّ عليها القوانين في البلدان الأوروبية في ما يخصّ التصريح بكلام فيه ثلب للآخرين هو تسليط غرامة مالية لا أكثر في حين تقوم السعودية بتطبيق أشنع العقوبات..
واعتبر الصيداوي أنّ ما فعلته السعودية سينعكس بالأساس سلبا عليها ، ذلك أنّ القضية ليست داخلية بحتة، خاصّة وأنّ كامل المنطقة الشرقية قد شهدت العديد من الاحتجاجات المناهضة للحكم بالتحديد بعد الثورة التونسية سنة 2011.
وأكّد الباحث أنّ السعودية ورّطت نفسها في اليمن فغذّت النعرة الطائفية وزادت من صراعاتها الداخلية حتّى صلب العائلة الحاكمة، معتبرا أنّ الصراع الطائفي اليوم في السعودية جاء من أجل التوظيف السياسي، حيث كانت السعودية في القديم متحالفة مع الشاه الإيراني ضدّ القضايا القومية العربية والناصرية لذلك فهو صراع سياسي توظّف فيه وتجيّش العاطفة الدينية ..
في سياق متصّل شدّد محدّثنا على أنّ المشكلة الطائفية التي تعود إلى 14 قرنا هي مشكلة يجب أن يحللها المؤرّخون والباحثون في الجامعات لا أن تطرح اليوم على أرض الميدان، متسائلا عن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء إعادة استحضار الصراع الطائفي بعد 14 قرنا..
وأعقب الصيداوي قائلا إنّ الخسارة تنتظر كل من يدخل الصراع الطائفي لأنّه صراع عبثي واه، بل هو على شكل النار التي تحرق كل من يدخلها لأنّها متاهة من متاهات التاريخ..
من هو الشيخ نمر النمر؟
يعتبر الشيخ النمر أحد المؤيدين لحركة الاحتجاجات المعارضة للحكومة السعودية التي اندلعت في المنطقة الشرقية ذات الغالبية الشيعية في عام 2011 ، والتي رفعت شعارات تطالب «بإنهاء واقع التهميش الذي يعيشون فيه».
وعرف الشيخ النمر بخطبه التي ينتقد فيها النظام السعودي ومطالبته المستمرة بمنح الأقلية الشيعية حقوقاً أكثر.
واستدعته الشرطة أكثر من مرة وتعرض لسلسلة من الاعتقالات والتحقيقات بسبب نشاطه السياسي، ووجهت له تهم مثل «إثارة الفتن»، و«الدعوة للتدخل الخارجي ».
واعتقل النمر في جوان 2012 عقب تأييده احتجاجات حاشدة اندلعت في فيفري 2011 في القطيف بالمنطقة الشرقية.
وقد أصيب النمر بجروح في الفخذ إثر إطلاق النار عليه اثناء عملية الاعتقال وقالت وزارة الداخلية إنه حاول « الهرب ومقاومة رجال الأمن».
وقالت تقارير إن الشرطة قد أطلقت أربعة أعيرة نارية في ظروف ملتبسة على قدمي النمر أثناء مطاردة لسيارته في منطقة القطيف بالمنطقة الشرقية.
وهو من مواليد 1959 في بلدة العوامية بمحافظة القطيف، شرقي السعودية، التي بها أغلبية شيعية.
بعد إنهائه الدراسة الثانوية في بلدته، سافر عام 1980 إلى إيران للدراسة في الحوزات الدينية، وبقى هناك 10 أعوام، ثم توجه إلى سوريا ليواصل الدراسة، ثم التدريس.
عرف بالدفاع عن حقوق الأقلية الشيعية في البلاد، منها حقهم في تولي المناصب الإدارية والعسكرية في البلاد، وكان وراء الاحتجاجات الحاشدة التي شهدتها القطيف عام 2011.
وكان قد تعرض للاعتقال لفترات قصيرة في عامي 2004 و2006 بسبب مواقفه وتصريحاته العلنية المطالبة بحقوق سكان المنطقة الشرقية.
وهدد عام 2009 بانفصال القطيف عن السعودية وتشكيل دولة شيعية مع البحرين المجاورة، إذا لم تلب مطالب السكان.
وانتقد النمر عام 2012 تعيين الأمير سلمان بن عبد العزيز وقتها وليا للعهد، بعد وفاة الأمير نايف بن عبد العزيز.
واعتقل النمر في الثامن من جويلية 2012 وحكم عليه بالإعدام يوم 15 أكتوبر2014.
ملف من إعداد: منارة تليجاني